الرئيسية / أبواب الموقع / سينما - فن / السينما و العشوائيات – من “سارق الفرح” الي “حين ميسرة”
241491

السينما و العشوائيات – من “سارق الفرح” الي “حين ميسرة”

بقلم: نادر عدلي*

نادر عدلي
نادر عدلي

” كان القمر يتساقط بين اوراق الكافور، ويسقط معها علي الارض، و اضواء السيارات تبرق في القاع البعيد متلاحقة خاطفة في سيل متدفق علي طريق صلاح سالم، الذي يحزم الهضبة و يطوقه من ثلاث جهات….. و كانت العشش كلها تبدو امامنا فوق الهضبة كورم خبيث ملئ بالجحور و السراديب” .

هكذا وصف الاديب خيري شلبي المنطقة العشوائية التي تكونت و نمت فوق هضبة المقطم المطلة علي القلعة في قصته القصيرة      “سارق الفرح”، التي اثارت اهتمام و خيال المخرج داود عبد السيد ليكتب لها السيناريو و الحوار و يخرجها في فيلم بنفس العنوان، ليكون أول الأفلام المصرية التي تدور كل احداثها داخل منطقة عشوائية علي اطراف القاهرة، و أكثرها وعياً بأجواء هذا المكان و رغبات و طموح ساكنيه، بل و حرمانهم من اقل “الحقوق” الممكنة لحياة الانسان، فالعشش و البيوت متلاصقة، و بائسة البناء، و تضم اسر كاملة تعيش علي الهامش في دائرة النسيان، و محروم من ادني حد للحياة الكريمة، حتي المياه النظيفة يتم احضارها من ماسورة مياه عمومية، و مهن معظم السكان “ارزقية” استهلاكية ( تنظيف السيارات – بيع مناديل في الشوارع – قرداتي – بلطجة )، فهم يعيشون في فقر شديد و حالة من التهميش الكامل، بينما يرون من فوق الهضبة حياة سكان المدينة بكل مبانيها و الاضواء و الاعلانات في احد اهم الطرق “صلاح سالم” الحيوية التي تمثل حياة المدينة …. هذا العالم المتكامل يرصد بكثير من العمق و يتوقف امام التفاصيل اليومية المعاشة في حياة هؤلاء المتهمين، و صراعهم مع الحياة نفسها – ليس الحكومة و المجتمع فقط – لتحقيق هامش يمنح حياتهم الاستمرار.

سارق الفرح

SareqAlfarahيظل فيلم “سارق الفرح” لداود عبدالسيد (1995)، أول و أهم الافلام التي قدمت حياة العشوائيات و المهمشين، و اكثرها فهما لطبيعتها، و من يعيشون فيها، و هي تختلف لحد ما عن حياة من سكنوا المقابر، ليس من ناحية شدة الفقر و التهميش، و إنما من ناحية سرعة نمو و اتساع دائرة المنطقة العشوائية و زيادة سكانها مع الوقت، لذلك يبقي لهذا الفيلم تميزه و انفراده بمعالجة قضية العشوائيات سينمائيا لفترة زمنية ليست قصيرة.

بشكل عام … ظلت السينما في مصر بعيدة عن الاقتراب او رصد او معالجة مشاكل و قضايا المناطق العشوائية، و حتي عندما فعلت مؤخرا، لم تخرج من دائرة القاهرة الكبرى الي المحافظات، رغم ان بعض الدراسات الاجتماعية تمادت في بحث هذا الامر، و اشارت الي ان ما يقرب من ربع السكان في مصر يعيشون في “مناطق عشوائية” ,و قد جاء ذلك بناء علي “تعريف شامل” ولا يرصد هذه المناطق فقط , و يصفها بانها  “كل ما تم إنشاؤه بالجهود الذاتية سواء مباني او عشش في غيبة القانون، و لم يتم تخطيطها عمرانيا”!

كراكون في الشارع

6IbrahimElAbiadو رغم تنامي ظاهرة انتشار المناطق العشوائية بوضوح منذ اواخر الثمانينات، الا ان صناعة السينما في مصر لم تكن في احسن احوالها لتقديم معالجات تقترب من هذا العالم، حيث انتشرت سينما المقاولات الفارغة من القيمة الفنية و القضايا الاجتماعية، و ظهور حركة جديدة اطلق عليها “الواقعية الجديدة ” انشغلت معظم افلامها بالحياة داخل المدينة نفسها، و ليس علي اطرفها…لذلك فانة قبل فيلم          “سارق الفرح ” لا نري سوي بعض الاشارات التي تحذر من اقامة هذه المناطق،  مثل فيلم “كراكون في الشارع” لعادل امام و اخراج احمد يحيي (1986)،  حيث ينهار بيت بطل الفيلم، و يجد ان الحياة في مساكن الايواء غير انسانية او كريمة , فيذهب الي الاقامة في المقابر، ثم يقرر اقامة منزل من الاخشاب ينتقل به من مكان لأخر كحل لهذه الازمة ….ثم يعرض فيلمين تأتي ديكوراتهم و عالم الشخصيات فيهما اقرب لحياة المناطق العشوائية، و علي هامش الحي الشعبي و هما : “ليه يا بنفسج” لرضوان الكاشف (1993)، حيث يعيش الابطال في “عشة” ضيقة تم بنائها بشكل عشوائي، و نفس الامر مع مبني او بناء لعمارة في فيلم “يا دنيا يا غرامي” لمجدي احمد علي (1995) حيث حياة فتيات الفيلم الثلاثة في شقق ضيقة متجاورة (ليلي علوي – الهام شاهين – هالة صدقي) في حي شعبي مكتظ، و تظهر فيه الخوف من عنوسة الفتيات، و اتجاه أخ لاحداهما نحو الانضمام الي جماعة ارهابية، و الثاني يفقد ذهنه و اتزانه نتيجة الفقر،  و تدني مستوي المعيشة و سيادة سلوكيات اجتماعية خطيرة، و افتقار واضح الي المرافق و الخدمات الاساسية.

ديل السمكة

11ef5a782dو تمضي اكثر من 10 سنوات (1995 – 2005) , لم تظهر خلالها افلام تقدم اي معالجات او رصد للمناطق العشوائية، انما مشاهد عابرة مثل هروب احد المجرمين الي مكان لا تتعقبه فيه الشرطة , او كما في فيلم “ديل السمكة ” لوحيد حامد و اخراج سمير سيف،  حيث شخصية “كشاف النور” الذي يبدا عملة في منطقة عشوائية، كما يشير حوار الفيلم .

لكن…و مع وجود عمليات ارهابية من خلال بعض الجماعات الدينية , تنتبه السينما مرة اخري للمناطق العشوائية حيث يشير الاعلام الي انها من منابع الارهاب من ناحية، و من ناحية اخري اعلان الحكومة تقديم “برنامج قومي للقضاء علي العشوائيات”، و بالتالي تسليط الاضواء علي قضية المناطق العشوائية بقوة، و كان فيلم “دم الغزال” لوحيد حامد و اخراج محمد ياسين , الذي يتناول قصة حقيقية عن “الطبال” الذي اصبح اميرا للجماعة في إمبابة، و ما حدث من سرقات لمحلات الذهب , تحول امير الجماعة لصاحب الكلمة المسموعة في المنطقة و ليس الحكومة او الشرطة.

حين ميسرة

241491و في عام 2007، يأتي ثاني الافلام التي تدور كل احداثها في منطقة عشوائية : “حين ميسرة” اخراج خالد يوسف، و الذي اثار ضجة هائلة اعلاميا نتيجة سلوكيات بعض شخصيات الفيلم و ضربها لقيمة المجتمع عرض الحائط، و اعتبار هذه المناطق مصدرا لتفريغ المجرمين و تجار المخدرات و جذب شباب للعمل مع الجماعات الارهابية .. و يختلف كثيرا فيلم “حين ميسرة” عن معالجة فيلم     “سارق الفرح”، فيما يحاول الاول التعامل مع الحياة غير الآدمية بمحاولة الاستمرار و الانتصار للحياة و انتظار غد افضل، بينما تنتهي احداث “حين ميسرة” بتدخل الحكومة و الشرطة لتدمير المنطقة العشوائية تماما حيث يتدخل البلدوزر لهدم مبانيها  و طرد سكانها باعتبارها منطقة خطرة ينبغي ازالتها، و عموما فإن الدراسات التي بحثت في مناطق العشوائيات اشارت بوضوح إلى أن عدد كبير منها يمكن تحسينه و استمراره، و لكن هناك مناطق لا يمكن البقاء عليها و يجب ازالتها تماما.

ابراهيم الأبيض

2168كان فيلم “حين ميسرة” بداية لموجة من الافلام التي يتم تصويرها في “ديكور” يشبه المناطق العشوائية مع تصوير بعض المشاهد الخارجية لهذه المناطق، و استخدمت هذه المناطق لتكون خلفية لأفلام البلطجي و الفتوة، و لعل افلام محمد رمضان : “الالماني” و  “عبدة موتة” و “قلب الاسد” بما حققته من ايرادات عالية، و تقديمة معالجة استهلاكية تصل لمرحلة متدنية من البلطجة باستخدام الاسلحة البيضاء و مزجها بما عرف مؤخرا بأغاني “المهرجان”، و تقديم الافراح و الرقصات كتوليفة تجتذب المشاهدين كما تأثرت افلام محمد رمضان – السبكي بعالم “حين ميسرة”، و تأثرت ايضا بفيلم “ابراهيم الابيض” اخراج مروان حامد و بطولة احمد السقا، الذي تدور أحداثه بالكامل ايضا في منطقة عشوائية، و لكنها مأوي لتجار المخدرات و معلميها الكبار (نموذج محمود عبدالعزيز بالفيلم) و هو يعد من اعنف الافلام  و اكثرها دموية في تاريخ السينما المصرية…. و لم تكن الافلام الاستهلاكية-التجارية التي يقدمها “السبكي” في السنوات الاخيرة، إلا محاولة جمع بين احداث فيلمي “حين ميسرة” كتكوين اجتماعي عشوائي ,و “ابراهيم الابيض” كعمل بوليسي ملئ بمعارك الدم و استخدام الاسلحة البيضاء ,و عدم وجود شرطة تردع هؤلاء المجرمين.

اذن .. فنحن امام ثلاثة افلام كبيرة، تعاملت مع المناطق العشوائية من خلال ثلاث رؤى مختلفة و هي : “سارق الفرح” لداود عبد السيد، و “حين ميسرة” لخالد يوسف ,و “ابراهيم الابيض” لمروان حامد، و يمكننا ان نرصد تأثر عدد غير قليل من الافلام المصرية بعوالم هذه الافلام و تقليد بعض احداثها دون قيمة فنية او رؤية ما.

لقد حاولت بعض الافلام المصرية الاقتراب من عالم العشوائيات، و رصد هذه المناطق التي بدأ يشغلها عدد كبير و نسبة ضخمة من سكان مصر، و لكن تظل اعمال محدودة و قليلة للغاية، أما الافلام الاستهلاكية و التي لا تحمل اي قيمة فنية او اي عمق في الرؤية الاجتماعية , فإنها تلقي رواجا لأنها تقدم نموذجا مستنسخا لشكل بلطجي معاصر يبدو مظلوما، ظلم فرضه طبيعة المكان العشوائي و ان الظروف جعلته مجرما، و في الوقت نفسة يتم وضع اطار من الغناء -العشوائي بدورة- و الرقص، ليصبح الفيلم “مهرجانا” للبلطجة و الرقص و الغناء بإيقاع صاخب متكرر يجعل الموجودين مشاركين فيه.

انها افلام عشوائية، مثل المناطق العشوائية تماما، يحتاج بعضها الي التطوير ليستمر، لكن اغلبها يحتاج لإزالة لنتخلص من هذه الاعمال المزيفة.

*ناقد فني

[email protected]

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *