السفير عبد الرؤوف الريدي
السفير عبد الرؤوف الريدي

حقوق الناس

بقلم: السفير عبد الرءوف الريدي

السفير عبد الرؤوف الريدي
السفير عبد الرؤوف الريدي

أود أن أهنئ الصديقة العزيزة والصحفية القديرة هدايت عبد النبي ذات الخبرة الواسعة في رحلتها الصحفية اللامعة… وأهنئها بوجه خاص على اختيار الموضوع الذي ستنشغل به “حقوق الناس”.

وابتداءً فإن علينا أن نفرّق بين “حقوق الإنسان” و”حقوق الناس” رغم ما سيكون هناك بطبيعة الحال من بعض التداخل والتأثير المتبادل.

لقد تطور موضوع حقوق الإنسان منذ عام 1948 الذي صدر فيه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من الجمعية العامة للأمم المتحدة تطورا كبيرا وصل إلى حد إبرام العديد من الاتفاقات الدولية، وإنشاء العديد من الآليات التي تراقب تنفيذ هذه الاتفاقات حتى وصلنا إلى هذه المحطة الهامة، وهي إنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي أصبح لها أن تحاكم المسئولين  الذين يرتكبون جرائم ضد الإنسانية، ويمكن أن تطال هذه المحاكمات رؤساء دول إذا توافرت شروط معينة، كما يندرج في هذا السياق أيضا إنشاء مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الذي مثُلت أمامه مصر مؤخرا بوفد كبير لتجيب عن عشرات الأسئلة المتعلقة بحقوق الإنسان التي تنص عليها هذه المنظومة الكبيرة مما أبرم من اتفاقات دولية انضمت إليها مصر وقرارات من الأمم المتحدة واللجان المتفرعة عنها وكلها مخصصة لتوثيق حقوق الإنسان وفرض ما قد يكون هناك من جزاءات في حالة الانتهاكات الجسيمة لها، وإن كان الجزاء الأخطر هو الرأي العام على مستوييه الداخلي والدولي وكيف يتأثر سلبا وإيجابا بما يصدر عن مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالنسبة للدولة التي يدرس المجلس حالتها. أما الآن فنحن أمام أفق جديد فتحته هدايت عبد النبي بهذه المجلة الواعدة… مجلة “حقوق الناس” التي لا تتحدث عن عقد اتفاقيات دولية جديدة، فهي معنيةُ أساساً بحقوق الناس كما يفهمها الناس، لأنها تمس حياتهم بشكل مباشر، وهي لا تخاطب الحكومات فقط ولكنها تخاطب الناس أيضاً، ولا تقع مسؤولية احترام حقوق الناس على الحكومة أو الدولة بقدر ما تقع على “الناس” أنفسهم، و”حقوق الناس” تشمل أموراً قد لا يمكن تعريفها دائما في صياغة قانونية بقدر ما تشمل حقوقا يطالب بها الناس بعضهم بعضا، إلى جانب ما يطالبون به الحكومة من الوفاء بالتزاماتها مثل الحق في التعليم والصحة والتأمين الصحي… إلى آخر ما تنص عليه الدساتير بما فيها ودستورنا الحديث.
“حقوق الناس” تتصل بعلاقة الناس بعضهم ببعض… وستجدها أوضح ما يكون في المبادئ التي تحض عليها الأخلاق وحسن السلوك وعلى رأس ذلك كله الأديان… ففي المنظومة الأخلاقية التي يحض عليها الإسلام على سبيل المثال نجد حق الجيرة… وتجد المثل الإسلامي القائل بأن الرسول عليه الصلاة والسلام أوصى على سابع جار… ولا تقتصر هذه التوصية على تبادل التهنئة في الأعياد أو ما شابهها من مناسبات ولكنها تتمثل أيضا في عدم الإيذاء مثلا بإلقاء القمامة في العمارة التي تسكنها أو الشارع الذي تقيم فيه أو في المسطحات المائية التي يستخدمها الناس مثل نهر النيل والترع، وحقوق الناس أيضا تتطلب من الأجهزة الحكومية أن تكف عن تلويث مياه نهر النيل والبحيرات بإلقاء مخلفات الصرف الزراعي والصحي والصناعي فيها. حقوق الناس تتطلب احترام كرامة الفرد بغض النظر عن مكانته المالية أو الوظيفية… وهذا الاحترام كما هو مطلوب من موظف الحكومة الذي يذهب إليه أي فرد لإنهاء أمر ما فإنه مطلوب أيضا من الأفراد… أحدهم إزاء الآخر… تلك بعض الأمثلة التي ستجد مئات الأمثلة التي تشبهها… حقوق الناس إذن توجد في صميم المنظومة الأخلاقية التي تبدأ من مسؤولية الأسرة وخصوصا الأبوين، وهناك كلمتان يتعلمهما كل طفل في المجتمعات التي نجحت في احترام حقوق الناس، وهي كلمة “من فضلك” وكلمة “أشكرك” نلاحظ في العقود الأخيرة نمو ظاهرة السلبية… بدءاً من سلبية الحكومة في فرض أحكام قانون المرور مما أصبحت معه حياة الناس في عذاب… وأصبحت القاهرة أكبر مدن العالم خرقا لقواعد المرور، كما أصبحت شوارعها مضرب الأمثال فيما يتراكم بها من قمامة… وكأن الناس قد تعودوا على هذه المظاهر أو ربما أصابهم اليأس من إمكانية الإصلاح… ولا تقتصر السلبية على الحكومة بل امتدت للناس أنفسهم… أصبحت أرصفة الشوارع تعج الآن بالدراجات البخارية التي يركبها الشباب ويجرون بها وسط الناس الذين خصصت لهم هذه الأرصفة، ولم يعد أحد يفكر في الاعتراض على سير هذه الموتوسيكلات على الأرصفة خوفا من أن يتلقى ما لا يرضاه لنفسه من إهانة. مثل ذلك مثل الاعتداء على حقوق الناس في عدم احترام المناطق المخصصة لعبور المشاة والتي أصبحت مستباحة بشكل دائم من السيارات دون وازع من ضمير أو رادع من سلطة مخولة لفرض احترامها بواسطة القانون. poorالأدهى من ذلك أن ضياع حقوق الناس سواءً في قواعد المرور أو في النظافة، وهي ضائعة ليس فقط بسبب تراخي السلطات الحكومية ولكن أيضا بسبب سلبية الناس والتي أصبحت ماثلة أمام أعيننا ولا نملك ازاءها إلا الحسرات… هذه الاستهانة بحقوق الناس لم تعد فقط تعود بالضرر على الناس كأفراد وإنما تعود أيضا بأبلغ الأضرار على الناس كمجتمع… بل أصبحت أهم العوامل الطاردة للاستثمار والسياحة وأصبح المستثمرون الذين يأتون إلى مصر ويشاهدون ما عليه الحال في شوارعها من فوضى وعدم احترام حقوق الناس يصلون إلى استنتاج بسيط وهو أن الدولة التي لا تستطيع أن تفرض الاحترام لحقوق الناس   لن تستطيع أن تفرض الاحترام لحقوقهم كمستثمرين… وأصبح عدم الاحترام لحقوق الناس عنصرا مؤثرا بالسلب على الاقتصاد القومي فضلاً عن تأثيره على الناس أنفسهم… وإذا انتبهنا إلى هذه العلاقة بين احترام حقوق الناس وبين تقدم المجتمع وازدهاره فإننا سنجده في شتى مناحي الحياة ليس فقط في الشوارع ولكن أيضا في الاعتداءات على نهر النيل شريان الحياة في مصر وغيره من مجالات الحياة… في الهواء وفي الماء وفي الغذاء… وربما كانت بداية العلاج في البيت وفي المدرسة وتمتد إلى المجتمع وخصوصا المجتمع المدني وتنتهي بالدولة ذاتها… ولذا فموضوع “حقوق الناس” إنما يضرب في المنظومة الأخلاقية والسلوكية والقانونية والاقتصادية في المجتمع ولو انصلحت أحوال الناس وروعيت حقوقهم لوجدت ذلك منعكسا بالتأكيد على تقدم المجتمع أو تخلفه إن لم يكن انهياره… ومن هنا فإنني أحيي الصديقة العزيزة هدايت عبد النبي على فتح هذا الملف الهام المسكوت عنه بإصدار هذه المجلة الهامة التي أتمنى لها كل النجاح والازدهار.

*رئيس مجلس إدارة مكتبة مصر بالجيزة [email protected]

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *