الرئيسية / أبواب الموقع / الحوار / حوار مع الروائى الكبير خالد الخميسى عدد يوليو أغسطس 2017
IMG_3022

حوار مع الروائى الكبير خالد الخميسى عدد يوليو أغسطس 2017

IMG_3022

الحوار مع الروائى الكبير خالد الخميسى متعة والاقتراب من حياته الشخصية والمؤثرات فيها قصة طويلة وحياته فى منزل جده والعلاقة بينه وبين والده الصحفي والكاتب الراحل عبد الرحمن الخميسي.

تتناول مجلة “حقوق الناس” فى هذا الحوار مع واحد من أبرز الروائيين المصريين خالد الخميسي عددا من القضايا المهمة فى الشأن المصرى ورؤيته بأنه لا حل إلا عن طريق فتح المجال للإبداع من خلال التخلي عن دولة المقاولات.

عن روايته الثانية “سفينة نوح” كتب الناقد الكبير د. صلاح فضل عن سفينة نوح في جريدة الأهرام: “لا يلبث (الخميسي) ان يحتشد فيقدم لنا اليوم عملا روائيا فذا‏،‏ يقع فيما يربو على أربعمائة صفحة، يصب فيها خلاصة خبرته ورؤيته واسلوبه، ويطلق عليه اسما رمزيا مقلوبا ـ كما سنوضح فيما بعد ـ هو سفينة نوح مما يتعين على النقاد تأمله ورصد حركته وتقييم إنجازه،‏ لان الابداع بكل ما يمرح فيه من حرية التخيل،‏ يستثير مزيدا من حرية التلقي والنقد.”

خالد الخميسى خرج إلى العالمية بترجمة روايته “تاكسى” إلى عدة لغات.

وفيما يلي نص الحوار:

 

ما هي التأثيرات الرئيسية على مشوارك مع الكتابة؟ وتأثير الأسرة؟

خالد الخميسي: فلأبدأ بوالدي الذي لا أعرفه الشاعر والكاتب المعروف عبد الرحمن الخميسي الملقب بالقديس والذي قيل عنه أنه الرجل الذي يمتطي المستحيل. مارس أبي نشاطات فنية عديدة وكان من أبرز الوجوه الثقافية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. مولود فى قرية منية النصر القريبة من مدينة المنصورة. جاء إلى القاهرة وهو صبي. لم يتح لي قدري أن أعيش معه فقد اضطر إلى الرحيل في عام 1971 لمنفى لم يعد منه إلى معشوقته مصر إلا ليدفن في ترابها. تزوج أكثر من مرة وأنجب 13 من الأبناء أنا من بينهم رقم 12. تعرف على أمى حين أسس فرقة مسرحية فى عام 1961 ودعا الوجوه الجديدة للعمل فى فرقته. تقدمت أمي لاختبار التمثيل لسبب أجهله، فقد كانت لحينها لا علاقة لها بعالم التمثيل. كانت قد تخرجت حديثاً في مدرسة الليسيه الفرنسية. أمي هي فاتن الشوباشي، ابنة المفكر والناقد والشاعر والمترجم محمد مفيد الشوباشي، الذي قدم للمكتبة العربية كتبا شديدة الأهمية في المجال الفكري مثل “أثر الحضارة العربية على الحضارة الأوروبية” وغيرها، وله العديد من الترجمات وديوان شعر ورواية. وُلِد في 8 سبتمبر 1899، وقام بتربيتي مع زوجته جدتي حبة قراقيش بعد وفاة والدتي المأساوي وأنا في الخامسة من العمر. جدي وجدتي من مدينة الإسكندرية. أنجبا خمس أبناء هم: الراحل على الشوباشي الروائي والصحفي بوكالة الأنباء الفرنسية وتُوفى سنة 2001، ثم الراحلة الممثلة فاتن الشوباشي والدتي، ثم هدى الشوباشي، ثم سعيد الشوباشى، فشريف الشوباشى الصحفى المعروف ورئيس مكتب الأهرام سابقاً فى باريس.

كان لجدي مفيد الشوباشي التأثير المباشر علىّ. يجمعنا الكثير ويفصلنا ثلاثة وستون عاماً. فعندما كنت في العاشرة كان في الثالثة والسبعين مما أتاح له من الوقت أن يعتني بتثقيفي. كنا نعيش في منزل جدرانه كتب، وقلبه ينبض بأبيات الشعر. كانت القراءة جزءا رئيسيا من نشاط الجميع اليومي.

 

كان مناخ البيت تنويريا بالدرجة الأولى؟

مؤلف تاكسي: كتب المؤلف المسرحي الشهير نعمان عاشور في عام ثمانية وستين مقالا جاء فيه بالنص: “كم من الأسر المتقدمة المتحررة عبرت آفاق التطور فعاشت على الفكر في أصالة ثقافية عميقة مثل أسرة هذا الرجل.. كم من رجل وهب نفسه وبيته في تجرد عجيب لكل ما هو خير وحق مثلما فعل مفيد الشوباشي”. فمصباح ديوجين كان في يد جدي ليلا نهارا يبحث بنوره عن أفكار تحمل ابداعات جديدة. الثقافة كانت في منزلنا موضوعا جادا غير قابل للمزاح. وكل الموضوعات التى كانت تناقش كان لها علاقة بالأدب والفلسفة.

وما سبب رحيل والدك عن مصر؟

تحكي الرواية السائدة أن أنور السادات اتصل به هاتفياً وحذره من احتمال اعتقاله. قال له أن عليه مغادرة البلاد لتفادى القبض عليه، وكانت هناك سلسلة اعتقالات لرموز اليسار المصري قبل 15 مايو 1971. ويقال إن السادات قال له أحذرك يا قديس لأنني أحبك. وبالفعل سافر والدي إلى الخارج. وتعود علاقة أنور السادات بوالدي إلى منتصف الخمسينيات. كان والدي يكتب في صحيفة “المصري” وفي عام 1953 وبعد قرار إلغاء الأحزاب وبدء التضييق على المجال السياسي كتب والدي سلسلة من المقالات المدافعة عن الديمقراطية والرافضة لإجراءات القمع السياسي وانتهى الأمر بالقبض عليه. بعد خروجه من السجن وجد صحيفة المصري قد أغلقت، وأنه تم نقله إلى جريدة جديدة تم إنشاؤها هي الجمهورية التي كان يرأس مجلس إدارتها فى ذلك الوقت أنور السادات. ومن هنا نشأت علاقة عمل بين والدي وبين السادات وظلت علاقتهما حتى مكالمة السادات له قبيل اعتقالات 1971 وتحذيره بمغادرة البلاد. تم إذن نفي والدي حتى وفاته في الأول من أبريل 1987. وقد حصل أبي على وسام هو الأعلى والأهم الكتلة الاشتراكية وهو وسام لينين للسلام – ولم يحصل عليه من العرب سوى هوارى بومدين وياسر عرفات.

 

ألم يؤثر غياب والدك عنك سلبا؟

لا.. لأن حضور جدي كان حقيقيا وفعالا وقوياً.

بدأ معي مبكرا في برنامج تثقيفي منذ كنت في نهاية المرحلة الابتدائية. لا أذكر أنني قرأت كتبا للأطفال أظنني بدأت بنجيب محفوظ. ثم الأدب الروسي والفرنسي. كان جدي يناقشني فيما أقرأ. من الحكايات الطريفة إنني وأنا في ستة ابتدائي بدأت في قراءة ثلاثية نجيب محفوظ، وكانت صعبة علىّ والوصف صعباً وطويلاً. بدأت أترك الوصف وأقرأ فقط الحوار ثم بدأ جدي يسألني أسئلة دقيقة فأدرك أنني لم أقرأ سوى شذرات من الرواية وكانت ليلة ليلاء. قرر حينها أن نقرأ بصوت عال ويشرح لي كلمة كلمة. جهد كبير بذله معي جدي. وظل يتابع جدول قراءاتي حتى وفاته في نوفمبر 1984.

 

رواية تاكسي أشهر من نار على علم، كيف وجدت نفسك فيها؟

خالد الخميسى: كنت مهتما بالكتابة منذ التحقت بالجامعة ولكن وزن عائلة مثل عائلتي على كتفي كان كبيرا، وكان معظم محيط أسرتي من كبار الكُتّاب والمفكرين والصحفيين. والحوارات في المنزل وكأننا حول مائدة مستديرة. وكان السؤال المنطقي: “إيش تيجى يا صعلوك بين الملوك؟” أي ماذا يمكنني أن أكتب وسط هؤلاء العمالقة؟ هل ما سوف أكتبه سيكون له نكهة خاصة؟ هل سوف أنجح في خلق عالم لغوي خاص بي؟ كتبت أشياء وقمت برميها في سلة المهملات. ولم أجرؤ على الكتابة حتى عام 2005. حينها شعرت بحالة حراك اجتماعي في الشارع دفعني للكتابة. أحسست نبض الشارع يطرق جدراني وشعرت برغبة حقيقية في كتابة نص يعبر عن هذا الشارع القاهري النابض. وبدأت بالفعل في كتابة نص في مارس-أبريل 2006. بدأت بكتابة روايتي سفينة نوح. ثم توقفت عنها وبدأت أكتب تاكسي. وقررت أن تكون اللغة فجة – أي تحمل فجاجة الشارع – وفي ذات الوقت تحمل حكمة الشارع. كنت آمل أن أكتب نصا يجمع بين الفجاجة الناتجة عن قسوة ما يدور في الشارع من ناحية وبين الحكمة الشعبية من ناحية ثانية. هما الميزان الذي وزنت به الكتاب. وأتمنى أن أكون قد نجحت في مسعاي.

 

أنت رئيس لمجلس إدارة مكتبة القاهرة، ما هو دور المكتبة التنويرى ودورك أنت فى هذا؟

رئيس مجلس إدارة مكتبة القاهرة: قبل الحديث عن المكتبة يجب أن أتحدث عن مؤسسة “دوم” للثقافة، لأن مكتبة القاهرة جاءت نتيجة لتأسيسي مؤسسة دوم. فهي الأصل. اخترت اسم “دوم” لأنني أعتقد أن الدوم هو أكثر ما يعبر عن مصر، لأن نخل “الدوم” منتشر على ضفاف النيل، وكان مقدساً لدى قدماء المصريين، نخلة الدوم تتطلب وقتاً طويلاً جداً لتثمر فمثلها مثل الثقافة التى تجنى ثمارها بعد سنوات طويلة. بعد ثورة 2011 وبعد كل الحراك الاجتماعى من سني 2005 و2006 و2007 و2008 كان لدىّ رغبة بألا أكتفى بكونى كاتباً فقط وأن علىّ أن ألعب دوراً ما يخدم المجتمع المصري فيما أتقنه داخل المجال الثقافي. فكل نشاط سياسي أو عمل من أجل تغيير في مجال إدارة الشأن العام لابد أن يبدأ بالمجال الفكري والمعرفي. فدون بنية تحتية معرفية وثقافية حقيقية لا يمكن لمجتمع أن يتقدم. من هنا جاءت فكرة تكوين مؤسسة ثقافية هدفها هو دعم التفكير النقدي في المجتمع المصري وإقامة مهرجانات ثقافية خارج القاهرة والإسكندرية، لأن المركزية الشديدة خلال القرن العشرين أثرت سلباً على الواقع الثقافى المصرى. ومن هنا تم اختيار المنصورة وقنا على أساس تواجد طلابي نشط. وأسّسنا هذه السنة أكاديمية “دوم” للعلوم الاجتماعية والإنسانية. وسط هذا نشاطي في دوم دعاني الدكتور جابر عصفور حين تولى وزارة الثقافة لأترأس مكتبة القاهرة الكبرى. وشعرت أن هذا مكان لائق لعمل نشاطات ثقافية وبدلا من دائرة واحدة هى “دوم” تكون هناك دائرة ثانية هى مكتبة القاهرة الكبرى لإقامة حركة ثقافية.

أسعى منذ البداية لتوسيع دائرة التواصل بين الفاعلين فى مجال التعليم والمعرفة والثقافة. ومنذ عام 2014 طرحت جائزة حول الأبحاث عن أحياء القاهرة لدعم الباحثين ولتوفير مادة بحثية حول أحياء العاصمة. ثم طرحت جائزة أخرى لأفضل صورة فوتوغرافية عن مدينة القاهرة من منظور فني. استطعنا خلالها دعم عددا من المصورين الفوتوغرافيين ومنحنا جوائز مالية. وأصبح لدينا عدد كبير من الصور عن مدينة القاهرة. ثم طرحت جائزة عن الأعمال الفنية الخاصة بالرموز الثقافية والسياسية فى تاريخ مصر. وحصلنا على أعمال فنية راقية صورت العديد ممن أثروا حياتنا الثقافية في القرن العشرين. شاركنا فى عدد من الفعاليات الثقافية ونشارك بصفة دائمة في المؤتمرات الخاصة بتطوير المكتبات في مصر. دورنا ليس فقط تقديم كتب جيدة لجمهور الباحثين ولكن دورنا الرئيسي هو في كيفية دعم الباحثين والفنانين والمفكرين لتقديم نصوص جديدة أو أعمال جديدة كل فى مجاله، وتشبيك كل هؤلاء فى شبكة من المهتمين بالحقل الثقافى والمعرفى العام.

 

دولة المقاولات

فى الشأن العام ماذا بشأن الأزمات التي تعيشها مصر؟

خالد الخميسي: لم تعطِ الدولة المصرية فى السنوات الأربعين الماضية أولوية لتوفير ميزانيات كافية للثقافة والتعليم والبحث العلمي. تذهب قرابة التسعون في المئة من ميزانية وزارة الثقافة للشئون الإدارية ويتبقى عشرة بالمائة للنشاط الثقافى، هذه الميزانية كلها محدودة وتماثل أو تقترب من ميزانية مسرح رئيسي في مدينة ألمانية كبرى، ميزانية محدودة للغاية. أما لو تحدثنا عن نسبة ميزانية البحث العلمي إلى إجمالي الدخل القومي فسوف نجدها في أدنى المعدلات العالمية. وهذا ينطبق على التعليم والصحة.

لو تأملنا ما قامت به اليابان بعد هزيمتها المعنوية والمادية في الحرب العالمية الثانية وانهيار البنية التحتية الاقتصادية اليابانية، لوجدنا أن دعم التعليم وجعله المشروع الوطني لكل ياباني كان الأولوية الأولى في سياسات الحكومة هناك. وكذلك فعلت الصين. التعليم هناك مقدس. مسألة حياة أو موت. اليوم مقاطعة شانغهاي بها أفضل نظام تعليمي في العالم. قرار حكومي اتخذته اليابان في عام 1945 ولم تتخذه مصر.

أولت الدولة المصرية اهتماماً اجتماعيا للمهندس والطبيب والضابط، وليس للمدرس، ومع مبارك تم ترك وزارة التربية والتعليم مجالاً خصباً للإخوان المسلمين وللتيارات الإسلامية المتشددة وتحول المدرسون من خريجي دار العلوم أدوات للترويج للفكر المنغلق. وهو تيار ضد التعليم وضد الثقافة. هذا ما حدث فى مصر في السنوات الأربعين الماضية، وهي الفترة التي أستطيع الحديث عنها لأنني عشتها.

الإبداع هو الحل

 

 

طيب ما هو الحل؟

تبنت السلطة التنفيذية مشروع المقاول باعتباره المشروع الرئيسي للدولة المصرية. فلو تأملنا على سبيل المثال سياسة الوزير الأسبق للثقافة فاروق حسنى لوجدنا إن تجديد منطقة أو ترميم مسجد هو مشروع الوزارة الرئيسي. بالتأكيد التجديد والترميم أمور هامة جدا. ولكن لا يمكن أن تكون المشروع الرئيسي لوزارة ثقافة. نفس الشيء ينطبق على الدولة المصرية. نحن دولة مقاولات. وأصبحت العقارات والمقاولات هي الضامن الوحيد للقروض البنكية. وليس جدة المشروع. لكن مشروع المقاولات والاسمنت لا يبنى العقول. ماذا نتج عن أحلام الطوب والدبش في مقابل العلم والتعليم؟ أصبح لدينا شوارع قبيحة دون عقول. أما المشروع الثاني الذي نتحدث عنه منذ أكثر من ثلاثين عاما هو جذب رؤوس أموال أجنبية وهو مشروع وهمى تماماً. لسنا في حاجة لذلك. نحن نحتاج إلى صناعة العقول لتقوم بنشاط جديد يتمشى مع الواقع الاقتصادي المتغير في العالم. رؤوس الأموال الأجنبية هشة تبحث عن حالات استقرار وتنازلات حكومية مخجلة. جاءت رؤوس الأموال مثلاً لإقامة مصانع الاسمنت الممنوع إقامتها في عدد من المناطق الأوربية حفاظاً على البيئة هناك. نحن فى حاجة إلى سلطة تنفيذية تفهم أهمية الانتقال من دولة مقاولات إلى دولة معرفة وفكر وثقافة وعقل. لو حدثت هذه النقلة سوف تحل جميع المشاكل.

 

لدينا موارد كثيرة، كيف ننطلق؟

لايمكن أن ننطلق بدون الإنسان. لابد من توفير مناخ يسمح للعقول أن تبدع. مشروع توفير المناخ الملائم أمر معروف كيفية عمله. لكن كل ما يحيطنا يمنعنا من أن نبدع. يقص أجنحة الإبداع. تقضي المدرسة على الإبداع. وكذلك تقوم الجامعة. النظام التعليمي المصري بصورة عامة معادٍ للإبداع. أما من يستطيع قهر النظام التعليمي فلا يمكنه الابداع في مناخ معادي له. يتغيّر العالم بسرعة كبيرة. قواعد اللعبة الاقتصادية تتغير. أكبر الشركات في عالم اليوم هي أبل، وفيسبوك، ودروبوكس، وغيرها الكثير تعمل كلها من خلال نظام تخييلي. لا تمتلك شيء مادي إنما برامج في الفضاء الأوسع. طريقة التفكير في أى شكل الاقتصاد القادم هو الذي يجب أن يشغل فكرنا. دورنا الرئيسي يجب أن ينصب على توفير مناخ الإبداع وأن يُسمح للمبدعين لتطبيق إبداعهم في الواقع الاقتصادي الجديد. أسكن في القاهرة وأستطيع القول بوضوح ان هذه المدينة لا تشجع على التفكير. مدينة مغلقة دون مواصلات عامة حقيقية. ودون مساحات خضراء. مدينة خانقة تخنق من يسكنها وتخنق أفكاره. مدينة سيطر عليها بالكامل فكر رجال الأمن. من يملك الشارع هم رجال الشرطة الذين لا يجيدون الحوار العقلانى الجاد ورجال الدين المتطرفين في المساجد والزوايا. وهم أيضا لا يمكن إجراء حوار معهم لأنهم منغلقون على أنفسهم. إذن أعيش فى مدينة منغلقة على ذاتها، لا مساحات بها للحرية أو الإبداع أو الحركة أو الانفتاح. كيف نحول القاهرة إلى مدينة يمكن فيها خلق أفكار؟ هذا ممكن لأن المدينة تلعب دورا بارزا في عمليتي الإبداع والابتكار. تشكل البيئة المكانية -والعلاقات التي يتم خلقها داخل هذا الحيز المكاني-  الحافز في تسهيل تنفيذ هذه الأفكار الجديدة. دعونا نتأمل مدينة مثل بودابست في الربع الأول من القرن العشرين. فقد شكلت مجالا حيويا لظهور العديد من المبدعين العمالقة الذي أثروا تأثيرا كبيرا على مجريات القرن، ويمكن أن أذكر منهم الفيزيائي “ليو زيلارد” الذي كان من أوائل من طور تطبيقات للطاقة النووية منذ عام ١٩٣٣، و”جون فون نيومان” الرياضي والفيزيائي الذي كانت له إسهامات كبيرة في ميكانيكا الكم. كما يمكن النظر في حالة الإسكندرية في نفس الحقبة الزمنية وكيف أنها كانت أيضاً مكانا لظهور الأفكار الجديدة، يمكن أن نكتفي بذكر “سيد درويش” و”بيرم التونسي” و”توفيق الحكيم” و”سيف وأدهم وانلي”. السؤال الآن: هل توفر أي مدينة مصرية هذا المناخ العام لخلق الأفكار؟ بالتأكيد لا توجد مثل هذه المدينة في مصر. وبالتالي نحن نحتاج إلى مدينة حاضنة لتحفيز الإبداع.

ملخص ما أريد قوله هو أننا نحتاج الانتقال من دولة المقاولات إلى دولة الإبداع، وهذا هو الحل.

 

سفينة نوح

 

نعود مرة أخرى إلى أعمالك الإبداعية وروايتك سفينة نوح. ماذا كان رد فعل النقاد على روايتك هذه؟

من الصعب أن يتحدث روائي عن عمله. ظللت لمدة خمس سنوات تقريبا أعمل بدأب لكتابة رواية سفينة نوح. رواية أخذت شكل الدائرة. كل فصل عن شخصية وكل شخصية تسلم للقارئ الشخصية التي تليها، وفي الفصل الأخير نعود مرة جديدة للشخصية الأولى لتكتمل الدائرة. ولأن سؤالك عن رد فعل النقاد يمكنني أن أذكر بعض مما كتبه النقاد. فهذا الشاعر الفلسطيني الكبير أحمد دحبور الذي رحل عن دنيانا منذ شهور قليلة مخلفا لنا أعماله الشعرية الرائعة. كتب الشاعر الفلسطيني عن رواية سفينة نوح قائلا تحت عنوان فرعي: دائرة معارف: “وبعد هذه الجولة التي لم تُحصّل الا اطرافا من جدارية شاسعة ترسم بعض ملامح مصر المعاصرة. ماذا يريد خالد الخميسي ان يوصل من خلال «سفينة نوح»؟ لقد عرض بدراية كبيرة، وكمية مخيفة من المعلومات والمتابعات، صورة غير وردية لمصر التي هي وردة روح المصريين والعرب، مع انه لم يتوقف، ولو لمحا، عند السؤال العربي في مصر، أثار موضوع الهجرة من موقع المطلع العارف، والفساد الاداري، والمضاربات المالية، والبغاء، والتعليم، وارهاب النظام، والاجهاض، ولامس المشكلة الطائفية وكان في موضع قوي، اذ عرض وهو المسلم هواجس د. نيفين القبطية، وبلسانها طلب الرحمة لأرواح المصريين جميعا: يا يسوع.. اطلب الرحمة له ولنا جميعا. وقد تبين ان المام الكاتب بهذه القضايا الحساسة الموجعة المفجعة، ليس الماما سياحيا بل هو نتيجة دراسة ودراية وموقف الى جانب الوطن. لقد ظهرت سفينة نوح في هذه الرواية كخشبة خلاص لمواطنين قليلي الحيلة، حتى ان بعضهم فكر في الهجرة. اما سفينة نوح الاخرى، المضمرة في هذا الخطاب الروائي الوطني النفاذ: فهي مصر الغد، مصر الحرية والعدالة والشرف الانساني، او كما قال في آخر سطر من الرواية: مصر مرسومة في خيالي، السفينة على شكل قلب.. سوف يحمل نبضا مختلفا يعيد تشكيل العالم”

ويكتب الناقد الكبير د. صلاح فضل عن سفينة نوح في جريدة الأهرام: “لا يلبث (الخميسي) ان يحتشد فيقدم لنا اليوم عملا روائيا فذا‏،‏ يقع فيما يربو على أربعمائة صفحة، يصب فيها خلاصة خبرته ورؤيته واسلوبه، ويطلق عليه اسما رمزيا مقلوبا ـ كما سنوضح فيما بعد ـ هو سفينة نوح مما يتعين على النقاد تأمله ورصد حركته وتقييم إنجازه،‏ لان الابداع بكل ما يمرح فيه من حرية التخيل،‏ يستثير مزيدا من حرية التلقي والنقد.”

 

بالتأكيد سعدت كثيرا من رأي هؤلاء النقاد وغيرهم. وزاد الوزن على كتفي.

 

وماذا تكتب اليوم؟

أكتب رواية أتمنى أن أنتهي منها في نهاية هذا العام. كما أتمنى أن تكون في مستوى يليق بالقارئ العربي.

 

شريف خاله الأصغر عبد الرحمن الخميسى حبة ومفيدة

 

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *